أحمد بن محمد ابن عربشاه

528

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فكل من عامله بالمجاملة ، وتلقاه بالعبودية وحسن المعاملة أبقى على نفسه وأهله وماله ، وحصنهم من أليم خيله ورجاله ، ومن قابله بالمقاتلة وقاتله بالمقابلة ، وتلافى صف قتاله سورة المجادلة ، محا سطور كونه من لوح الوجود ، وأوطأ سنابك خيله منه الجباه والخدود ، فخرب ديارهم ومسح آثارهم مع شركه وإسلامهم ، وتبدد عساكره ونظامهم ، ومع أن أكثر الملوك والسلاطين وحكام الممالك الإسلامية من الأمراء والأساطين ؛ لعدم اكتراثهم بالأتراك والتتر وشدة ما هم فيه من النخوة والبطر ، ولاعتمادهم على حصونهم الحصينة ، وتعويلهم على معاقلهم المكينة ولكثرة العدد والعدد ، ومساعدة المدد والمدد ، ولوفور العمائر ببلادهم وخراب بلاده ، وبسطة استعدادهم وضيق استعداده ، لم يعاملوه إلا بالمكافحة ، ولا ردوا جواب خطاباته إلا باللعن والمكالحة والسب والمقابحة ، ولا قابلوه إلا بالمرامحة والمراوسة والمناطحة ، فقتلهم وأبادهم واستصفى طارفهم وتلادهم ، وتوطن ديارهم وبلادهم ، وأبادهم عن آخرهم ، وأطفأ قبائل عشائرهم ، فمد لأكابرهم أسمطة « 1 » الرزايا ، ووضع في أفواه أصاغرهم أثدية المنايا ، وأضافهم في ولائم الدمار وأطافهم على نجائب « 2 » الانكسار ، في ملابس البوار ، فاستأصل شأفتهم بالكلية وحكم فيهم صوائل المنية ، فلم يبق من مائة ألف إنسان مثلا مائة إنسان ، وذلك أيضا إما على سبيل التغافل أو على سبيل النسيان وسيذكر على سبيل الإجمال ما يدل على تفصيل ما له من أحوال ، وشواهد ما فزعه من أهوال . واستمر ذلك في ذريته وإن كانوا رجعوا عن ملته ، وأصل هذه الأصلة « 3 » التي أضحت بخلقان اللعن أكسى من بصله « 4 » ، قبيلة من تلك التتار

--> ( 1 ) أسمطة ، مفردها السمط : الخيط والحبل . ( 2 ) النجائب ، مفردها النجيبة : الناقة . ( 3 ) أي أصل هذا الجنس من البشر . ( 4 ) أكسى من بصله : وهذا مثل يضرب لمن يلبس ملابس كثيرة .